شرايين التجارة العالمية.. هل تُصبح اللوجستيات ”النفط الذي لا ينضب” للسعودية؟
إذا كانت البضائع والمنتجات هي "الدماء" التي تُغذي شرايين الاقتصاد العالمي، فإنَّ اللوجستيات هي تلك "الشرايين" ذاتها، وفي السعودية، نحن لا نبني مجرد مستودعات، بل نُعيد رسم شبكة الشرايين العالمية لتمر عبر قلب المنطقة.
السؤال هنا: هل تحوَّلت اللوجستيات من مجرد قطاع مُساند إلى "نفط جديد" يضخ القيمة في الناتج المحلي؟
ما وراء الـ100 ألف متر مربع
عندما نتحدَّث عن "منطقة لوجستية متكاملة" في جدة، فنحن لا نتحدَّث عن مساحة تخزين فحسب، الاتفاقية الأخيرة بين "مدن" وشركة Medlog لإنشاء منطقة بمساحة 100 ألف متر مربع، هي في الواقع مشروع لإنشاء منصة حيوية تجمع بين: التخزين، والصيانة والفحص، وخدمات الحاويات، وإعادة التصدير، مع ربط مباشر وحيوي بالمواني والطرق السريعة.
هذا المشروع لا يوفِّر فقط 200 وظيفة مباشرة، بل يخلق "بيئة عمل" تُسرع من حركة رأس المال، لأنَّ المال في العالم اللوجستي ليس سوى بضائع تتحرَّك بسرعة وكفاءة.
كلفة "الانقطاع".. الزاوية التي لا يراها الكثيرون
دائمًا ما نسأل في التقارير الاقتصادية: "كم سنربح من هذا المشروع؟"، لكن المنظور اللوجستي الحديث يطرح سؤالًا أكثر رعبًا: "كم سنخسر إذا تعطلت سلسلة الإمداد؟".
هنا تبرز معلومة حاسمة من أبحاث عملاق الشحن "ميرسك"، تشير إلى أنَّ شركات التقنية وحدها خسرت بالمتوسط أكثر من 3.6% من إيراداتها السنوية بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد.
هذا يعني أنَّ وجود "منطقة لوجستية متكاملة" في جدة هو في الحقيقة "بوليصة تأمين" للشركات والمصانع ضد مخاطر التوقف والتعطل.
من "الممر" إلى "المركز".. تجارب عالمية
إذا نظرنا إلى خارطة النجاح اللوجستي عالميًّا، سنجد مسارًا واضحًا:
سنغافورة
لم تكتفِ بكونها ميناءً كفؤًا، بل تحوَّلت إلى مركز لإعادة التصدير وتقديم خدمات "القيمة المضافة".
جبل على (الإمارات)
نجح عبر دمج "الموقع الاستراتيجي" بـ"التشغيل الذكي" و"التشريعات المرنة".
السعودية اليوم تطبق هذه الوصفة في جدة، لتتحوَّل من مجرد "نقطة عبور" للبضائع، إلى "بوابة" حقيقية تربط قارات العالم الثلاث (آسيا، وأوروبا، وإفريقيا).
الأثر على الاستثمار والتنافسية
لماذا تهمنا هذه المنطقة اللوجستية في جدة؟
جذب المصانع
لا يوجد مصنع في العالم يختار موقعه دون التأكُّد من سهولة شحن منتجاته؛ لذا فإنَّ هذه المناطق هي "المغناطيس" الذي سيجذب الاستثمارات الصناعية الكبرى.
التنافسية الزمنية
في زمن "التوصيل السريع"، لم يعد السعر هو العامل الوحيد؛ بل أصبح "زمن التسليم" هو العملة الجديدة للمنافسة، وهو ما ستوفره جدة للشركات السعودية.
الربط القاري
تعزيز مكانة المملكة كحلقة وصل لا يمكن الاستغناء عنها في التجارة العالمية.
اللوجستيات في السعودية اليوم ليست مجرد شاحنات ومستودعات، بل هي استراتيجية سيادية تهدف لامتلاك أدوات التجارة العالمية.
في جدة، نحن نبني "مُحرِّكًا" جديدًا للاقتصاد، مُحرِّكًا يعمل بكفاءة سلاسل الإمداد بدلًا من احتراق الوقود.













