سامر شقير: اليورو عند أدنى مستوياته منذ سنوات.. كيف تربح من الأزمة؟
في 13 مارس 2026، سجل اليورو أدنى مستوى له مقابل الدولار منذ أغسطس الماضي، متراجعًا بنسبة 0.4% ليصل إلى 1.1467 دولار لليورو الواحد، وسط تصاعد أزمة النفط الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، وهذا الانخفاض، الذي تجاوز 2% منذ بداية العام، يعكس مخاوف المستثمرين من تباطؤ الاقتصاد الأوروبي وارتفاع التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يُهدِّد الاستقرار الاقتصادي في منطقة اليورو.
ومع ذلك، يحمل هذا الوضع فرصًا استثمارية غير مسبوقة من خلال التركيز على عقود الخيارات والعقود الآجلة، وهي أدوات أثبتت فعاليتها في أزمات عملات سابقة حول العالم، والخبراء والمستثمرون الأذكياء يدركون أنَّ الانخفاض الحاد للعملة لا يعني بالضرورة خسارة، بل يمثل بوابة للأرباح إذا تم استخدام الأدوات المالية الصحيحة بطريقة استراتيجية.
انخفاض اليورو يأتي في سياق توترات جيوسياسية متصاعدة، حيث تدخل الحرب أسبوعها الثالث مع تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتهديدات، ما يزيد من ضغوط الأسواق.
الدولار يقفز مقابل اليورو بسبب قوة الاقتصاد الأمريكي النسبية واعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة، التي أصبحت أكثر تكلفة مع أزمة النفط، المشهد يذكر بأزمة الطاقة في 2022 بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حين انخفض اليورو إلى مستويات قريبة من التكافؤ مع الدولار.
وفي مواجهة هذه التحديات، يمكن للمستثمرين الاستفادة من الانخفاض عبر عقود الخيارات والعقود الآجلة، مع الاستلهام من استراتيجيات ناجحة من دول أخرى شهدت أزمات مماثلة.
عقود الخيارات تمنح المستثمر الحق، وليس الالتزام، في شراء أو بيع العملة بسعر محدد قبل تاريخ معين، وعندما ينخفض اليورو، يمكن استخدام خيارات البيع (Put Options) على زوج اليورو/دولار للربح من المزيد من الهبوط، أو خيارات الشراء (Call Options) إذا كان المتوقع انتعاش العملة لاحقًا.
والتاريخ المالي يُقدِّم أمثلة واضحة على نجاح هذه الاستراتيجية؛ ففي بريطانيا عام 1992، استخدم جورج سوروس وفريقه عقود خيارات بيع ومراكز قصيرة ضخمة على الجنيه الإسترليني قبل خروج بريطانيا من آلية سعر الصرف الأوروبية، محققين أرباحًا فاقت المليار دولار.
نفس المنطق ينطبق اليوم على اليورو، شراء خيارات بيع على EUR/USD للاستفادة من استمرار ضعف العملة قد يكون استراتيجية رابحة، وفي تركيا، خلال أزمة الليرة بين 2018 و2022، لجأ المستثمرون الأجانب إلى عقود خيارات بيع للتحوط ضد انخفاض العملة، في حين استخدمت الشركات المصدرة خيارات شراء على الدولار لضمان استقرار أسعار الصرف والحفاظ على أرباحها رغم الانهيار.
العقود الآجلة تعتبر أداة مثالية للتحوط طويل الأمد، حيث تلزم الطرفين بشراء أو بيع العملة بسعر محدد في تاريخ مستقبلي، وفي أوقات انخفاض اليورو، يمكن بيع عقود آجلة على EUR/USD للربح من الهبوط، أو شراؤها إذا كان المتوقع انتعاش العملة بفعل تدخل البنك المركزي الأوروبي.
والتاريخ يزخر بأمثلة ناجحة؛ ففي آسيا عام 1997، انخفضت عملات مثل البات التايلاندي والروبية الإندونيسية بنسبة تصل إلى 80% مقابل الدولار بسبب سحب الاستثمارات الأجنبية، واعتمد المستثمرون على العقود الآجلة القصيرة للربح، في حين استخدمت الشركات العقود الطويلة للتحوط ضد الديون بالعملة الأجنبية.
وفي روسيا عام 2022، بعد العقوبات الغربية، انخفض الروبل بنسبة 30% خلال أسابيع، واستفادت الشركات النفطية من العقود الآجلة لقفل أسعار صرف مستقرة رغم التقلبات الحادة.
وبالمثل، يمكن للمستثمرين في أوروبا والشرق الأوسط اليوم بيع عقود آجلة على اليورو للاستفادة من انخفاض العملة أو شرائها في حال توقعوا تدخل البنك المركزي الأوروبي لدعم العملة.
الدرس المهم هنا هو أن انخفاض اليورو ليس نهاية العالم، بل يمثل فرصة استثمارية للمستثمرين الذين يركزون على استراتيجيات مدروسة باستخدام الخيارات والعقود الآجلة.
كما أظهرت التجارب السابقة في بريطانيا وتركيا وآسيا وروسيا، يمكن لهذه الأدوات أن توفر الحماية والربح في أوقات التقلبات الحادة، يتطلب ذلك فهم الآليات المالية بدقة واستشارة مستشار مالي مختص، لأن الأسواق قد تتغيَّر بسرعة وقد تتحوَّل التقلبات إلى فرص أو مخاطر كبيرة، والمستثمر الذكي هو مَن يحول الأزمة إلى فرصة، ويتخذ خطوات محسوبة لتعظيم العوائد وتقليل المخاطر في الوقت نفسه.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المستثمرين الذين يتجاهلون أدوات التحوط قد يخسرون الفرصة الأكبر للاستفادة من انخفاض اليورو، بينما أولئك الذين يعتمدون على استراتيجيات عقود الخيارات والعقود الآجلة قد يحولون الأزمة الحالية إلى أرباح ملموسة.
الأسواق العالمية اليوم تتطلب صبر واستراتيجية، والفرصة تكمُن في معرفة التوقيت المناسب لاستخدام الأدوات المالية بدقة، وانخفاض اليورو يمثل تذكيرًا قويًا بأن الاستثمار الذكي لا يعتمد على متابعة الاتجاهات فقط، بل على القدرة على التحليل واستخدام الأدوات المناسبة لتحويل التحديات إلى أرباح ملموسة.













