سامر شقير: غرينلاند تتحوَّل إلى قلب الصراع القطبي الجديد.. و”طمع ترامب” يعكس إعادة تشكيل النظام الجيوسياسي العالمي
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إنَّ غرينلاند عادت بقوة إلى صدارة المشهد العالمي، «ليس كجزيرة جليدية نائية، بل كأصل استراتيجي يُعاد تعريفه ضمن صراع الموارد والممرات البحرية في القرن الحادي والعشرين».
وأشار شقير إلى أن «التطورات السياسية في الدنمارك بعد انتخابات مارس 2026، ودخول رئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن في مفاوضات معقدة للبقاء في السلطة، تزامنت مع عودة الاهتمام الأمريكي بقيادة دونالد ترامب، ما أعاد فتح ملف غرينلاند من زاوية أكثر عمقًا وخطورة».
وأضاف: «ما يوصف إعلاميًّا بـ"طمع ترامب" ليس مجرد خطاب سياسي، بل انعكاس لتحول جوهري في عقيدة الأمن القومي الأمريكي، قائم على معادلة واضحة، السيطرة على الموارد والهيمنة على القطب الشمالي يساوي تفوق جيوسياسي طويل الأمد».
غرينلاند.. أكثر من جزيرة جليدية
أوضح سامر شقير، أنَّ غرينلاند «تُمثِّل كيانًا جغرافيًّا واقتصاديًّا فريدًا لا يمكن اختزاله في كونها جزيرة متجمدة».
وقال: «نحن نتحدَّث عن أكبر جزيرة في العالم بمساحة تتجاوز 2.1 مليون كيلومتر مربع، وعدد سكان محدود لا يتجاوز 56 ألف نسمة، مع غطاء جليدي يغطي نحو 80% من مساحتها».
وأشار شقير، إلى أنَّ «موقعها الاستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا يمنحها أهمية استثنائية، خاصةً في ظل التحولات الجيوسياسية الحالية».
وأضاف: «رغم تمتعها بحكم ذاتي واسع منذ 2009، فإن الدنمارك لا تزال تحتفظ بملفات الدفاع والخارجية، وهو ما يجعل أي تحرك دولي تجاهها معقدًا سياسيًّا».
المعادن النادرة.. الثروة الحقيقية تحت الجليد
أكَّد سامر شقير، أنَّ «القيمة الاستراتيجية الحقيقية لغرينلاند لا تكمُن في الجليد، بل فيما تختزنه من موارد نادرة».
وقال: «غرينلاند تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة تُقدر بنحو 1.5 مليون طن، ما يضعها في المرتبة الثامنة عالميًّا».
وأشار شقير، إلى أن «مشروعات مثل Tanbreez تمثل فرصة استراتيجية، خاصة مع برامج التطوير التي أُقرت في 2026، وخطط التوسع التي قد تصل بالإنتاج إلى مستويات كبيرة بحلول 2028-2029، بدعم تمويلي أمريكي».
وأضاف: «في المقابل، يواجه مشروع Kvanefjeld تحديات قانونية وبيئية، خاصةً فيما يتعلق باليورانيوم، وهو ما يعكس تعقيد المشهد الاستثماري في الجزيرة».
وأوضح رائد الاستثمار، أنَّ «هذه المعادن تمثل العمود الفقري لصناعات المستقبل، من السيارات الكهربائية إلى الطاقة المتجددة والصناعات العسكرية، ما يجعل غرينلاند لاعبًا محوريًّا في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية بعيدًا عن الاعتماد على الصين».
تغيُّر المناخ.. المخاطر التي تصنع الفرص
قال سامر شقير: إنَّ «تغيُّر المناخ في القطب الشمالي يُمثِّل سيفًا ذا حدين».
وأوضح: «ذوبان الجليد يفتح ممرات بحرية جديدة، ويسهِّل الوصول إلى الموارد الطبيعية، ويزيد من جاذبية المنطقة للاستثمار العالمي».
وأضاف شقير: «لكن في المقابل، هناك مخاطر بيئية مرتفعة، وقيود تنظيمية صارمة، وضغوط دولية متزايدة نحو الاستدامة، وهو ما يفرض معادلة دقيقة بين الفرص والتحديات».
"طمع".. قراءة جيوسياسية أعمق
ءأشار سامر شقير، إلى أنّ «إعادة طرح دونالد ترامب لفكرة السيطرة على غرينلاند تأتي في سياق دولي مختلف تمامًا عمَّا كان عليه في السابق».
وقال: «نحن أمام تصاعد عسكري روسي في القطب، وتوسع اقتصادي صيني في الموارد، وهو ما يدفع الولايات المتحدة لإعادة تموضعها الاستراتيجي».
وأضاف شقير: «أهمية القواعد العسكرية، مثل قاعدة ثول، تجعل من غرينلاند مفتاحًا للهيمنة على القطب الشمالي».
وأكَّد أنَّ «السيناريوهات الواقعية لا تتوقف عند فكرة الشراء، بل تمتد إلى شراكات استراتيجية، واستثمارات أمريكية ضخمة، وتعزيز الوجود العسكري والتكنولوجي».
الفرص الاستثمارية.. أين يتحرَّك رأس المال؟
أكَّد سامر شقير، أنَّ «هذه اللحظة تمثل نقطة دخول مبكرة في دورة استثمارية طويلة الأجل».
وقال: «المعادن النادرة تمثل الفرصة الأكبر، مع إمكانية تسريع تطوير المشاريع بدعم غربي، ما قد يؤدي إلى إعادة تسعير القطاع بالكامل».
وأضاف شقير: «هناك أيضًا فرص واعدة في البنية التحتية القطبية، بما يشمل المواني والخدمات اللوجستية المرتبطة بالممرات البحرية الجديدة».
وأشار إلى أن «السياحة الفاخرة الاستكشافية قد تشهد نموًا ملحوظًا، مدفوعة بالاهتمام العالمي بالقطب الشمالي».
وتابع: «قطاع الطاقة والصيد قد يستفيد تدريجيًّا من التغيرات المناخية، مع فرص مستقبلية في الطاقة النظيفة».
المخاطر.. معادلة لا تحتمل التبسيط
حذَّر سامر شقير من «التعامل مع غرينلاند كفرصة استثمارية دون إدراك كامل للمخاطر».
وقال: «نحن أمام بيئة جيوسياسية متقلبة، وتنظيمات غير مستقرة، وتكاليف تطوير مرتفعة للغاية».
وأضاف: «الحساسية البيئية العالية قد تعرقل العديد من المشاريع، وهو ما يتطلب انتقائية شديدة في القرارات الاستثمارية».
الاستراتيجية الاستثمارية.. كيف يفكر المستثمر الذكي؟
استعرض سامر شقير رؤيته الاستراتيجية للتعامل مع هذا التحول، قائلًا:
«أولًا، يجب مراقبة سلاسل توريد المعادن النادرة، لأن أي اختراق في مشاريع غرينلاند قد يعيد تسعير القطاع بالكامل».
وأضاف: «ثانيًا، الاستثمار غير المباشر عبر شركات التكنولوجيا والطاقة المرتبطة بهذه المعادن قد يكون الخيار الأكثر توازنًا».
وأشار إلى أن «التنويع الذكي ضروري، مع عدم تخصيص نسب كبيرة من المحفظة لهذا النوع من الاستثمارات عالية المخاطر».
وأكَّد: «الاستدامة يجب أن تكون في صلب القرار الاستثماري، لأن المشاريع الأكثر التزامًا بيئيًّا ستكون الأكثر استمرارية وربحية».
واختتم هذا المحور قائلًا: «في غرينلاند، السياسة تسبق السوق، ولذلك يجب متابعة القرار السياسي قبل أي تحرك استثماري».
الخلاصة.. أصل استراتيجي يُعيد تشكيل المستقبل
اختتم سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن «غرينلاند لم تعد مجرد جزيرة متجمدة، بل أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العالم».
وقال: «ما يُسمى بطمع ترامب قد يبدو سياسيًّا، لكنه في جوهره إشارة واضحة للمستثمرين بأن التحولات الكبرى قد بدأت بالفعل».
وأضاف: «رأس المال الذكي لا ينتظر الاستقرار، بل يتحرك قبل اكتمال الصورة».
وأكَّد في ختام حديثه أنَّ «هذه المرحلة تمثل فرصة استثنائية، لكنها تتطلب فهمًا عميقًا للجغرافيا السياسية، وانضباطًا استثماريًّا عاليًا».


