سامر شقير: الاستثمار في السعودية يدخل مرحلة جديدة عنوانها جودة الشراكة
مع اتساع الفرص الاستثمارية في السعودية وتزايد المشاريع الكبرى ضمن مسار التنويع الاقتصادي، لم تعد وفرة رأس المال وحدها كافية لصناعة صفقة ناجحة، بل أصبحت جودة الشراكات، ووضوح المصالح، والقدرة على إدارة المشروع بعد توقيع العقد، عوامل أساسية في حماية قيمة الاستثمار على المدى الطويل.
ويرى رائد الاستثمار سامر شقير أن الثقة بين أطراف الصفقة يمكن أن تمثل ميزة مهمة في الوصول إلى الفرص وتسريع التفاوض وحل الخلافات، لكنها لا يمكن أن تحل محل الفحص المالي والقانوني والتشغيلي، مؤكدًا أن القرار الاستثماري الناجح يبدأ من فهم قدرة الأصل على تحقيق تدفقات نقدية مستدامة، وليس من حجم الفرصة أو قوة العلاقة بين الأطراف.
وقال سامر شقير: "الثقة تفتح باب الصفقة، لكن الأرقام هي التي تحمي رأس المال، العلاقة المهنية يمكن أن تسرع الوصول إلى الفرص، لكنها لا تلغي الحاجة إلى دراسة الأصل والتمويل والطلب والتدفقات النقدية وحقوق كل طرف".
وتأتي هذه الرؤية بالتزامن مع استمرار توسع الاقتصاد السعودي، الذي نما بنسبة 4.5 % خلال عام 2025، مع مواصلة الأنشطة غير النفطية لعب دور متزايد في الاقتصاد.
ويرى سامر شقير أن هذه البيئة تتيح فرصا واسعة أمام المستثمرين، لكنها تجعل التمييز بين الفرصة الاستثمارية الحقيقية والصفقة التي تعتمد على التفاؤل بالسوق أكثر أهمية.
وأوضح أن القطاع العقاري يقدم نموذجا واضحا لهذه المعادلة، حيث تبدأ المخاطر قبل البناء ولا تنتهي عند بيع الأصل أو تشغيله، إذ يحتاج المستثمر إلى التحقق من الملكية والتراخيص، ودراسة الطلب، وتقدير تكاليف الإنشاء والتمويل، ثم متابعة أداء الأصل بعد التشغيل.
وأشار إلى أن العلاقات المهنية الموثوقة تساعد في تبادل المعلومات وإدارة المصالح والتعامل مع الخلافات، إلا أن قيمتها الاقتصادية تظهر عندما تتحول إلى التزامات واضحة وآليات متابعة وحوكمة قابلة للتنفيذ.
وقال: "الصفقة لا تنجح لأن الأطراف يعرفون بعضهم فقط، وإنما تنجح عندما تتحول الثقة إلى التزامات واضحة، ثم تتحول الالتزامات إلى تنفيذ، ويتحول التنفيذ في النهاية إلى تدفقات نقدية يمكن قياسها".
وتزداد أهمية هذا النهج في ظل تغيرات السوق العقارية، حيث سجل مؤشر أسعار العقارات في السعودية انخفاضا سنويا بنسبة 0.7 % خلال الربع الرابع من عام 2025.
ويرى سامر شقير أن نمو الاقتصاد بصورة عامة لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمة جميع الأصول العقارية، ولذلك يجب أن يركز المستثمر على جودة الأصل وسعر الدخول والطلب الفعلي وهيكل التمويل بدلا من الاعتماد على الاتجاه العام للسوق.
وفي مجال إدارة الثروات، يؤكد سامر شقير أن بناء الثروة والحفاظ عليها يختلفان عن اقتناص صفقة منفردة، لأن المحافظ العائلية تجمع عادة بين أصول غير سائلة مثل العقارات واستثمارات الشركات والأدوات المالية، بينما تختلف احتياجات أفراد العائلة بين السيولة والنمو والحفاظ على رأس المال.
وقال: "إدارة الثروة لا تتعلق فقط بتحقيق أعلى عائد ممكن، وإنما بمواءمة الاستثمارات مع احتياجات أصحاب الثروة وأفقهم الزمني وقدرتهم على تحمل المخاطر، الثقة مهمة، لكن الأهم أن تتحول إلى سياسة استثمار واضحة وقابلة للمراجعة".
وأضاف أن تحديد احتياجات السيولة وفصل رأس المال قصير الأجل عن الاستثمارات طويلة الأجل ووضع حدود واضحة للمخاطر، يمكن أن يحول العلاقة بين المستثمر ومستشاره إلى منظومة مؤسسية أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الأسواق.
وفيما يتعلق بالاستثمارات العابرة للحدود، يرى سامر شقير أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بالعائد المتوقع للممول، بل بقدرته على خلق قيمة مشتركة للمستثمر والشريك والجهة المضيفة، مع مراعاة حقوق التطوير والاشتراطات التنظيمية والبيئية وتكاليف التنفيذ والطلب المتوقع.
وقال: "المشروع الناجح هو الذي يجد مصلحة مشتركة بين جميع الأطراف. زيادة حجم المشروع قد ترفع الإيرادات المحتملة، لكنها ترفع أيضا رأس المال المطلوب وتعقيد التنفيذ، ولذلك يجب تقييم التوسع وفقا للعائد والمخاطر وليس وفقا لحجم المشروع فقط".
وأكد سامر شقير أن اتساع المشاريع الاستثمارية في السعودية يجعل جودة الشراكات والحوكمة وإدارة التنفيذ عناصر متزايدة الأهمية أمام رأس المال طويل الأجل، مشيرًا إلى أن المستثمرين سيركزون على قدرة المشاريع على تحويل الإنفاق إلى إيرادات، وكلفة التمويل حتى التشغيل، وقدرة الشركاء على التعامل مع التأخير وتغير الطلب.
واختتم سامر شقير قائلًا: "الثقة ليست عائدا بحد ذاتها، لكنها تصبح أصلا استثماريا عندما تقلل مخاطر التنفيذ وتساعد الأطراف على اتخاذ قرارات أفضل، أما القيمة النهائية للصفقة فتظل مرتبطة بجودة الأصل وسعر الدخول وهيكل التمويل والتدفقات النقدية وقدرة الشركاء على إدارة الاستثمار طوال دورة حياته".

