مصر 24
مصر 24

سامر شقير: استكشاف اليورانيوم يُعيد تسعير سلسلة المعادن الحرجة في الاقتصاد السعودي

سامر شقير
-

لم تعد ثروة اليورانيوم والمعادن الحرجة في المملكة العربية السعودية مجرد موارد جيولوجية تنتظر الاستخراج، بل أصبحت جزءًا من معادلة أوسع لإعادة تشكيل سلاسل القيمة الصناعية وتخصيص رأس المال في الاقتصاد السعودي. 
ويرى رائد الاستثمار سامر شقير، أن تحرك المملكة نحو استكشاف اليورانيوم وتطوير موارد المعادن الاستراتيجية يعكس انتقالًا تدريجيًّا من اقتصاد يستخرج الموارد إلى اقتصاد يسعى إلى تصنيع مدخلات الطاقة والصناعة وإنتاج قيمة مضافة محلية.
وأكد وزير الطاقة أن المملكة تمضي في استكشاف موارد اليورانيوم وتقييم فرص الاستفادة الاقتصادية منها، بالتزامن مع بناء مزيج طاقة أكثر تنوعًا يشمل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعمل على تطوير سلسلة قيمة تمتد من الاستكشاف إلى المعالجة وإنتاج الكعكة الصفراء.
وقال سامر شقير: إن الرسالة الأساسية للمستثمر المؤسسي لا تتعلق بحجم الاكتشافات وحده، وإنما بقدرة المملكة على تحويل الموارد إلى صناعة قابلة للتمويل والحوكمة والتصدير، مضيفًا: "الأسواق المؤسسية تكافئ القدرة على تحويل المورد إلى منتج مطابق للمواصفات داخل إطار امتثال دولي، وليس حجم الإعلان الجيولوجي، العائد الحقيقي في المعادن الحرجة يتحقق عند نقطة المعالجة والتصنيع وليس عند نقطة الحفر".
وأوضح سامر شقير أن استراتيجية المملكة تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة، أولها استخلاص اليورانيوم المصاحب لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، وثانيها تطوير موارد مشروع جبل صايد في منطقة المدينة المنورة، وثالثها توسيع عمليات الاستكشاف من خلال مسح الغطاء الرسوبي للمصادر التقليدية لليورانيوم.
وأشار إلى أن المسار الأول يتميز بارتباطه بأصل صناعي قائم، حيث تعمل المملكة على الاستفادة من مكانتها في صناعة الأسمدة الفوسفاتية لاستخلاص اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك في عمليات الإنتاج شمال البلاد، مع وجود تعاون مع شركة أورانو الفرنسية لدراسة الجدوى الاقتصادية والتقنية لهذا المسار.
أما المسار الثاني، فيرتبط بمشروع جبل صايد، حيث كشفت الدراسات عن موارد تقديرية بنحو 114 مليون طن من الخام تحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، خصوصًا العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، إلى جانب تركيزات واعدة من اليورانيوم.
 وشدد سامر شقير على أهمية التمييز بين حجم الخام وبين كمية المعادن القابلة للاستخراج اقتصاديا، مؤكدًا أن تحويل الموارد التقديرية إلى احتياطيات قابلة للإنتاج يحتاج إلى مزيد من أعمال التقييم والدراسات الفنية.
وقال سامر شقير: إن المسار الثالث، والمتمثل في مسح الغطاء الرسوبي لاستهداف خامات اليورانيوم التقليدية، يوسع قاعدة الموارد المحتملة، لكنه في الوقت نفسه يمثل مسارًا أبعد عن التدفقات النقدية وأكثر ارتباطًا برأس المال الاستثماري طويل الأجل.
ويرى سامر شقير أن أهمية هذه التحركات تتزايد في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء المستقرة وتوسع برامج الطاقة النووية، بالتزامن مع تزايد الاهتمام بأمن إمدادات الوقود النووي والمعادن الحرجة، مضيفًا أن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تعيد تشكيل الطلب العالمي على الكهرباء، وهو ما يعزز أهمية مصادر الطاقة المستقرة وسلاسل التوريد الآمنة للمعادن.
وأوضح أن اليورانيوم يختلف عن العديد من السلع التعدينية بسبب ارتباطه بالقطاع النووي وخضوعه لأطر تنظيمية ورقابية دولية، ما يجعل الانتقال من الاستكشاف إلى الإنتاج التجاري عملية طويلة تتطلب وضوحًا في التصنيف الجيولوجي ودراسات الجدوى والترخيص والمعالجة والشراكات الدولية.
وقال شقير: "المستثمر المؤسسي لا يشتري قصة نووية بقدر ما يشتري خيارًا على أمن الطاقة وعلى موقع المملكة في سلاسل المعادن الحرجة، هذا الخيار يمكن أن تكون له قيمة قبل الإنتاج التجاري، لكنه يظل مسعرًا بخصم كبير ما لم تتضح درجة الخام ومعدلات الاستخلاص والإطار التنظيمي وهيكل الشراكات".
وأكد سامر شقير أن رؤية السعودية 2030 توفر إطارًا واسعًا لهذه التحولات، من خلال تعزيز مساهمة التعدين في الاقتصاد وتنويع مصادر الطاقة وبناء صناعات مرتبطة بالمعادن الحرجة، كما يمكن لتطوير الطاقة النووية، على المدى الطويل، أن يسهم في تنويع مزيج الكهرباء وتوفير مزيد من المرونة في استخدام موارد الطاقة، بالتوازي مع تطوير صناعات المعادن والتقنيات المتقدمة.
ولفت إلى أن الفرص الاستثمارية لا تقتصر على عمليات التعدين نفسها، بل تمتد إلى الحفر والمختبرات والخدمات الهندسية والمياه والنقل والمعالجة الكيميائية والبرمجيات الصناعية وتقنيات الفصل والاستخلاص والمراقبة البيئية.
وشدد سامر شقير على أن المخاطر تظل جزءًا أساسيًّا من المعادلة، وفي مقدمتها المخاطر التقنية والتنظيمية والسوقية، موضحًا أن التركيزات الواعدة لا تمثل بالضرورة احتياطيات تجارية مؤكدة، وأن اقتصاديات استخلاص اليورانيوم والمعادن الأرضية النادرة تعتمد على تكلفة المعالجة ومعدلات الاستخلاص وأسعار السوق وقدرة المشاريع على بناء بنية تحتية تنافسية.
وأضاف أن أي غموض في دورة الوقود النووي أو تأخر في الترخيص والشراكات الدولية يمكن أن يرفع تكلفة رأس المال، في حين أن المنافسة العالمية من كبار منتجي اليورانيوم والمعادن، إلى جانب تقلبات أسعار الفائدة وتكاليف التمويل، ستظل عوامل رئيسية في تقييم جدوى المشروعات.
وأكد أن المستثمرين سيراقبون خلال المرحلة المقبلة ثلاثة مؤشرات رئيسية، هي انتقال الموارد التقديرية إلى تصنيفات قابلة للتدقيق، ووضوح اقتصاديات الاستخلاص والمعالجة، وترجمة الشراكات الدولية إلى عقود وتمويلات ومشروعات قابلة للتنفيذ.
واختتم سامر شقير قائلًا: "رأس المال المؤسسي يبحث عن مشاريع تجمع ثلاثة شروط في وقت واحد: جدوى تقنية، وشريك يملك تقنية المعالجة، وإطار امتثال يخفض كلفة التمويل، عندما تجتمع هذه الشروط، تنتقل المعادن الحرجة من بند جيوسياسي إلى بند واضح في نماذج التدفقات النقدية".
وأضاف أن الاختبار الحقيقي للتحول لن يكون في حجم الإعلانات الجيولوجية، وإنما في سرعة تحويل الموارد إلى أصول قابلة للتمويل والإنتاج والتصدير، معتبرًا أن نجاح المملكة في بناء سلسلة قيمة متكاملة لليورانيوم والمعادن الأرضية النادرة يمكن أن يعزز مكانة التعدين كأحد محركات النمو طويلة الأجل في الاقتصاد السعودي.