سامر شقير: ثورة الذكاء الاصطناعي تضرب سوق العمل.. مَن سينجو؟

في صباح شتوي داخل قاعة النادي الاقتصادي في واشنطن، جلس ديفيد روبنستاين، أحد أبرز رجال الاستثمار في العالم، يتأمل ضيفه بعينين اعتادتا قراءة التحولات الكبرى قبل وقوعها، الرجل الذي أسس مجموعة كارلايل عام 1987، والتي تدير اليوم أصولًا بمئات المليارات، لم يطرح سؤالًا عابرًا، بل سأل ما يشغل العالم: هل سيكون الذكاء الاصطناعي نعمة أم تهديدًا؟
أمامه جلس جيريمي ألاير، أحد رواد الإنترنت المبكرين ومؤسس شركة Circle، التي تقف خلف عملة USDC، إحدى أكبر العملات المستقرة عالميًّا، والتي لا تزال تسعى لدخول الأسواق العامة بعد محاولات سابقة، ابتسم ألاير بهدوء، ثم أجاب بجملة بدت كأنها تلخص القادم: "من المرجح جدًّا أن يُحدث الذكاء الاصطناعي اضطرابًا كبيرًا في سوق العمل".
لم يكُن التصريح مجرد رأي، بل تحذير مبني على تجربة طويلة مع الثورات التقنية، وأوضح ألاير أن عددًا كبيرًا من الوظائف سيتغير أو يختفي، مشيرًا إلى أن التحوُّل لن يكون بسيطًا بل عميقًا، مع إعادة تشكيل طبيعة العمل نفسها.
هذه الكلمات سرعان ما انتشرت عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، لتثير جدلًا واسعًا بين مَن يرى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا مباشرًا، ومَن يراه فرصة تاريخية.
التغيير لم يعد فكرة نظرية، في مراكز الاتصال، بدأت الأنظمة الذكية تتولى جزءًا كبيرًا من المهام، حيث يمكنها حل نسبة كبيرة من استفسارات العملاء بسرعة وكفاءة، وفي عالم البرمجة، لم يعد المطور يعمل وحده، بل أصبح يعتمد على أدوات ذكية تضاعف إنتاجيته عدة مرات، مما يغير طبيعة دوره من "كاتب كود" إلى "مشرف على الأنظمة الذكية".
في الإعلام، أصبح إنتاج المحتوى أسرع وأسهل، مع أدوات قادرة على كتابة النصوص وتصميم الصور وإنتاج الفيديو خلال وقت قياسي، أما في القطاع المالي، فقد بدأت الخوارزميات الذكية تلعب دورًا متزايدًا في تحليل البيانات وإدارة الاستثمارات وكشف الاحتيال، حتى في المصانع
والمستودعات، تتقدم الروبوتات لتولي المهام المتكررة، ما يقلل الاعتماد على العمالة التقليدية.
ورغم هذا المشهد المقلق للبعض، فإن التاريخ يقدم زاوية مختلفة، كل ثورة تكنولوجية، من الثورة الصناعية إلى الإنترنت، تسببت في اختفاء وظائف، لكنها في المقابل خلقت فرصًا جديدة لم تكن موجودة من قبل، الفارق هذه المرة أن التغيير أسرع، ما يفرض تحديًا حقيقيًّا على الحكومات والشركات والأفراد.
الحل، كما يراه كثير من الخبراء، لا يكمُن في مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل في التكيُّف معه، فالاستثمار في التعليم وإعادة التدريب أصبح ضرورة، وليس خيارًا كما بدأت أفكار مثل الدخل الأساسي العالمي تعود إلى الواجهة، كوسيلة محتملة للتعامل مع التحولات الاقتصادية القادمة.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، بل إلى أي مدى سنكون مستعدين لهذا التغيير، مَن يتعلم كيف يعمل مع هذه التكنولوجيا سيجد نفسه في موقع قوة، بينما قد يواجه مَن يتجاهلها واقعًا أكثر صعوبة.

