3.48 تريليون دولار اقتراضًا جديدًا في عام واحد.. هل نحن أمام لحظة ”إعادة تسعير تاريخية” للعالم؟

ليست مجرد أرقام صماء تلك التي حملتها تقارير معهد التمويل الدولي (IIF) بنهاية عام 2025؛ فوصول الدين العالمي إلى حاجز الـ348 تريليون دولار، واقتراض العالم لـ3.48 تريليون دولار إضافية في عام واحد فقط، يُمثِّل "لحظة مفصلية" في تاريخ المالية الحديثة، نحن لا نتحدث عن أرقام تمويلية، بل عن إعادة رسم موازين القوة بين دول تمتلك رفاهية إدارة العجز، ودول قد تغرق في دوامة خدمة الفوائد، بحسب ما ذكره سامر شقير رائد الاستثمار، في مقال له.
المال لم يعد رخيصًا كما كان، والدين لم يعد مجرد أداة لتمويل النمو، بل أصبح ميزان قوة يُحدِّد مَن سيقود قاطرة المستقبل ومَن سيبقى في مقاعد المتفرجين.
حكاية "طفرة الدين".. من الإنقاذ إلى الصدمة
لفهم كيف وصلنا إلى هذا الرقم الفلكي، يجب أن نقرأ القصة في أربعة فصول متتالية:
عصر "السيولة الرخيصة" (ما بعد 2008):
بدأت الحكاية بسياسات التيسير الكمي لإنقاذ النظام المالي، حيث ارتفعت الديون تحت مسمى الاستقرار.
صدمة الجائحة (2020-2022):
أطلقت الحكومات موجات تحفيز ضخمة، كان الدين حينها "مستساغًا" لأن الفائدة كانت تقترب من الصفر.
صدمة الفائدة (2023-2025):
هنا حدث التَّحوُّل الحقيقي؛ ارتفعت الفائدة عالميًّا لكن الدين لم ينخفض، بل استمر الاقتراض بتكلفة أعلى بكثير.
إعادة التسعير الكبرى (2025-2026):
وفق بيانات IIF، قفز الدين بمقدار 29 تريليون دولار في عام واحد، قادتها الحكومات لتمويل "ثلاثية التوازنات الكبرى"، الدفاع، والذكاء الاصطناعي، وسد العجز.
لوحة عدادات المستثمر.. أين تكمُن المخاطر؟
على المستثمر الحصيف ألا يكتفي بقراءة العناوين، بل عليه مراقبة "مؤشرات الخطر" في هذه اللوحة المعقدة:
عبء إعادة التمويل:
استحقاقات ضخمة تنتظر العالم في 2026، مما يجعل الأسواق حساسة لأي صدمة في العوائد.
السيادة الحكومية:
الزيادة يقودها "المسعَّر العام" (الحكومات)، مما يرفع سعر المخاطر الكلية في النظام.
الأسواق الناشئة:
هذه الأسواق تقف اليوم تحت ضغوط تاريخية بعد تجاوز ديونها مستويات حرجة.
السعودية ورؤية 2030.. إدارة الدين من منطق القوة
في قلب هذه الخريطة المزدحمة بالديون، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج استثنائي، السعودية لا تتعامل مع "عصر الدين" كحالة طوارئ، بل كأداة استراتيجية لتحقيق رؤية 2030.
الأرقام تتحدث؛ فرغم وصول إجمالي الدين القائم إلى 1.4667 تريليون ريال بنهاية سبتمبر 2025 (وفق NDMC)، إلا أن هذا الاقتراض يوجه لتمويل مشاريع التحول النوعي.
كما أنَّ ربط الريال بالدولار عند 3.75 (المستقر منذ 1986) يمنح المستثمر السعودي وضوحًا في الرؤية، وإن كانت الفائدة المحلية تتأثر بقرارات الفيدرالي الأمريكي، إلا أن المملكة تمتلك أدوات توازن قوية من احتياطيات وإدارة دين احترافية.
خارطة طريق للمستثمر في "عصر المال الصعب"
كيف نستفيد من هذه التحولات؟ الإجابة تكمُن في "الخطة العمليّة":
قراءة الدين كإشارة سوق
راقب منحنى العائد الأمريكي؛ فهو "البوصلة" التي تحدد اتجاه السيولة العالمية.
انتقاء الأصول
في زمن الفائدة المرتفعة، ابحث عن الشركات ذات التدفقات النقدية القوية والميزانيات المتينة، وابتعد عن شركات النمو ذات الديون العالية.
الاستثمار في "نفقات الدول"
إذا كان العالم ينفق تريليوناته على الدفاع والتقنية، فالفرص الحقيقية تكمُن في البنية التحتية الرقمية، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد اللوجستية.
توطين القيمة
في السعودية، التَّحوُّل من "متلقٍ للدورة" إلى "صانع لها" يتطلب الاستثمار في المراكز التقنية والابتكار المحلي.
الخلاصة
يقول "راي داليو"، مؤسس شركة بريدج وتر للاستثمار، إن دورات الدين الكبرى تنذر بالخطر حين يسبق الدين الدخل.
ويرى "وارن بافيت"، رئيس تنفيذي لشركة بيركشير هاثاواي، الفائدة بمثابة "الجاذبية" التي تُعيد تسعير كل شيء، واليوم، مع وصولنا لـ348 تريليون دولار، انتهى "زمن المال السهل".
بالنسبة لنا في السعودية، الرسالة واضحة: في ظل رؤية 2030، الخوف ليس خيارًا، بل الاستجابة الحقيقية تكمُن في بناء خطة استثمارية تتسم بالانضباط.
وكما أقول دائمًا: "في كل موجة دين كبرى، لا يربح مَن يملك رأس المال فقط.. بل مَن يملك الانضباط والرؤية

