سامر شقير: العالم يعيد تموضع الصناعة… والسعودية في الموقع الأقوى

قال رائد الاستثمار الاستراتيجي سامر شقير إن العالم لا يخرج من مرحلة الرسوم الجمركية كما يعتقد البعض، بل يدخل فصلًا أكثر دقة واستهدافًا في استخدام أدوات القوة الاقتصادية، مؤكدًا أن قرار المحكمة العليا الأمريكية بتقييد استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية (IEEPA) لا يعني نهاية عصر الرسوم، وإنما إعادة تصميم آلياتها.
واستهل شقير رؤيته باقتباس قال فيه:
“التاريخ لا يلغي أدوات القوة الاقتصادية… بل يعيد تصميمها. وعندما تتغير القواعد القانونية، لا تتوقف الاستراتيجية — بل تصبح أكثر دقة.”
دروس التاريخ.. من «Smoot-Hawley» إلى نهاية «Bretton Woods»
استعرض سامر شقير محطات تاريخية توضح كيف شكّلت الرسوم الجمركية نقاط تحول كبرى في النظام الاقتصادي العالمي. ففي عام 1930، اعتقد العالم أن الرسوم مجرد أداة سياسية مؤقتة، لكن خلال أقل من ثلاث سنوات تراجعت التجارة العالمية بنسبة 66% نتيجة قانون Smoot-Hawley Tariff Act.
كما أشار إلى عام 1971، حين فرض الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون رسومًا بنسبة 10%، وهي خطوة لم تكن مجرد حماية اقتصادية، بل كانت بداية نهاية نظام Bretton Woods الذي حكم النظام النقدي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي 2018، فرضت الولايات المتحدة رسومًا على أكثر من 360 مليار دولار من الواردات الصينية باستخدام أدوات مثل Section 301، وهو ما اعتبره شقير بداية إعادة توزيع التصنيع العالمي، وليس مجرد نزاع تجاري.
نهاية أداة… لا نهاية القوة
أوضح سامر شقير أن قرار المحكمة العليا الأمريكية قيّد استخدام IEEPA، لكنه لم يُلغِ الرسوم الجمركية، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أدوات فعّالة مثل:
Section 301 التي أعادت توجيه أكثر من 21% من سلاسل التوريد الأمريكية خارج الصين بين 2018 و2024.
Section 232 المرتبطة بالأمن القومي وحماية صناعة الصلب.
CHIPS Act الذي ضخ أكثر من 280 مليار دولار لإعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة.
وأكد أن الرسوم أصبحت أقل عشوائية وأكثر استراتيجية، مستشهدًا بقول المستثمر راي داليو إن الدول عندما تشعر بأن أمنها الاقتصادي مهدد، فإنها تضحي بالكفاءة من أجل السيطرة.
أرقام تعكس إعادة توزيع التصنيع العالمي
بحسب سامر شقير، فإن التحول لم يعد نظريًا، بل تؤكده الأرقام بين 2018 و2025:
تراجعت حصة الصين من واردات الولايات المتحدة من 21.6% إلى 9%.
ارتفعت حصة فيتنام بنسبة 178%.
ارتفعت حصة الهند بنسبة 92%.
ارتفعت حصة المكسيك بنسبة 44%.
وأشار شقير إلى أن شركة Apple تُعد نموذجًا واضحًا؛ إذ انخفضت نسبة إنتاج iPhone في الصين من 95% في 2018 إلى نحو 70% في 2025، مع توقع وصول إنتاج الهند إلى 25% بحلول 2027.
لماذا تعد السعودية من أكبر المستفيدين؟
يرى سامر شقير أن فهم موقع السعودية في هذه المرحلة يبدأ من عنصر الطاقة، مؤكدًا أن التصنيع يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: الطاقة، الاستقرار، والموقع.
ميزة الطاقة
أوضح شقير أن تكلفة الكهرباء الصناعية في السعودية أقل بنسبة تصل إلى 35% مقارنة بأوروبا، و25% مقارنة بالصين، و18% مقارنة بالولايات المتحدة، وهو ما يخفض تكلفة الإنتاج بنسبة تتراوح بين 12% و18%.
وأكد أن هذا الفارق قد يحدد موقع المصنع نفسه.
الموقع الجغرافي
أشار سامر شقير إلى أن طرقًا تمر عبر السعودية تمثل أكثر من 13% من التجارة العالمية، وأن مشاريع كبرى مثل:
NEOM
موانئ البحر الأحمر
مشروع الجسر اللوجستي
تهدف إلى رفع حصة المملكة من التجارة العالمية بنسبة تصل إلى 250% بحلول 2030.
دور صندوق الاستثمارات العامة
لفت سامر شقير إلى أن Public Investment Fund يدير أصولًا تتجاوز 940 مليار دولار، وقد استثمر في:
Lucid Motors لنقل تصنيع السيارات الكهربائية إلى السعودية.
شركة Ceer، أول شركة سيارات كهربائية سعودية.
شركة ALAT لتوطين الصناعات التقنية.
ويستهدف ذلك رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي من 11% في 2020 إلى 20% بحلول 2030.
التأثير المتوقع بالأرقام
يتوقع شقير، في حال استمرار اتجاه إعادة التصنيع عالميًا، أن تحقق السعودية:
زيادة الاستثمار الصناعي بنسبة 300% خلال عشر سنوات.
نمو الصادرات غير النفطية بنسبة 220%.
ارتفاع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي بنحو 9 نقاط مئوية.
خلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة صناعية جديدة.
وأشار إلى أن المؤشرات بدأت بالفعل، حيث ارتفعت تراخيص المصانع الجديدة في 2024 بنسبة 63%، وارتفع الاستثمار الصناعي الأجنبي بنسبة 54%.
تحركات كبار المستثمرين
أكد سامر شقير أن كبار المستثمرين العالميين بدأوا بالفعل إعادة تموضع استثماراتهم. فقد زاد وارن بافيت استثماراته في شركات الطاقة والصناعة بعد 2020، فيما صرّح لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة BlackRock، بأن العالم يشهد أكبر إعادة توزيع صناعي منذ الحرب العالمية الثانية، مع ارتفاع استثمارات الشركة في الأسواق الناشئة بنسبة 47% منذ 2021.
من عصر التجارة الحرة إلى عصر التجارة الاستراتيجية
واختتم سامر شقير تحليله بالقول إن العالم ينتقل من “عصر التجارة الحرة” إلى “عصر التجارة الاستراتيجية”، وهو تحول يفتح فرصًا كبيرة في السعودية، لا سيما في قطاعات الصناعة والطاقة واللوجستيات والبنية التحتية والتصنيع التقني.
وأكد أن الشركات الأكثر استفادة ستكون تلك التي تبني أصولًا حقيقية، لا مجرد خدمات، مشددًا على أن قرار المحكمة لم يُضعف القوة الاقتصادية الأمريكية، بل جعلها أكثر دقة في استخدام أدواتها.
وختم بقوله إن السؤال لم يعد ما إذا كانت السعودية ستستفيد من التحولات الجارية، بل إلى أي مدى يمكنها تعظيم مكاسبها في نظام عالمي يعاد تشكيله الآن.

